محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
146
بدائع السلك في طبائع الملك
الحكاية الثانية : يروى ان رجلا قدم بغداد يريد الحج . وكان معه عقد يساوي ألف دينار ، فاجتهد في بيعه ، فلم يتفق فجاء إلى عطار ، موصوف بالخير فأودعه إياه . ثم حج ، وعاد فأتاه بهدية . فقال له العطار : من أنت وما هذا ؟ فقال له الرجل : انا صاحب العقد الذي أودعتك إياه فأنكره ودفعه عن دكانه . وقال : يدعي علي مثل هذه الدعوى . فاجتمع الناس وقالوا للحاج : ويلك هذا رجل خير ، فما وجدت من تدعي عليه الا هذا . فتحير الحاج وتردد اليه ، فما زاده الا شتما وضربا . فقيل له : اذهب إلى عضد الدولة ، فله في هذه الأشياء فراسة . فكتب قصته وجعلها على قصبة ، ورفعها إلى عضد الدولة ، فصاح به ، فجاء فسأله عن حاله فأخبره بالقصة فقال له : - اذهب إلى العطار غدوة ، واقعد على دكانه ، فان منعك فاقعد على دكان يقابله ، من بكرة إلى المغرب . وافعل هذا ثلاثة أيام ، فاني امر عليك في اليوم الرابع ، وأقف وأسلم عليك ، فلا تقم لي ، ولا تزدني على رد السلام ، وجواب ما أسألك عنه ، وإذا انصرفت عنك ، فأعد عليه ذكر العقد ، ثم أعلمني بما يقول لك . فان أعطاكه ، فجيء به اليّ فقال : فجاء إلى وكان العطار ليجلس ، فمنعه ، فجلس مقابله ثلاثة أيام ، فلما كان في اليوم الرابع جاء عضد الدولة في موكبه العظيم ، فلما رأى الخراساني وقف ، فقال له : سلام عليك : فقال الخراساني - ولم يتحرك - وعليكم السلام . فقال : يا أخي تقدم ، فلا تأت الينا ، ولا تعرض حوائجك علينا . فقال : كذا اتفق . ولم يشبعه الكلام . وعضد الدولة يسأله ، ويحتففي به ، وقد وقف العسكر كله ، والعطار قد أغمي عليه من الخوف . فلما انصرف التفت العطار إلى الحاج ، فقال له : ويحك متى اودعتني هذا العقد ، وفي اي شيء كان ملفوفا . فذكرني لعلي أذكر . فقال : من صفته كذا وكذا . فقام يفتش ثم نفض جرة عنده ، فوقع العقد . فقال : قد كنت نسيته ولو لم تذكرني في الحال ، ما ذكرته . ثم أخذ العقد . وقال : أي فائدة لي أن أعلم عضد الدولة . ثم قال لنفسه : فلعله يريد ان يشتريه ، فذهب اليه ، واعلمه ، فبعث به مع الحاجب ، وعاقب العطار .